الشيخ الطبرسي
279
تفسير مجمع البيان
يقولون ) أي بل يقولون هو ( شاعر نتربص به ريب المنون ) أي ننتظر به حدثان الموت ، وحوادث الدهر ، فيهلك كما هلك من تقدم من الشعراء . والمنون : يكون بمعنى الدهر ، ويكون بمعنى المنية . وأم هذه ( 1 ) المنقطعة بمعنى الترك والتحول ، كقول علقمة ( 2 ) : هل ما علمت ، وما استودعت ، مكتوم أم حبلها ، إذ نأتك اليوم ، مصروم فكأنه قال ( 3 ) : حبلها مصروم لأن بعده قوله : أم هل كبير بكى ، لم يقض عبرته إثر الأحبة ، يوم البين مشكوم ( 4 ) ثم قال سبحانه : ( قل ) لهم يا محمد ( تربصوا فإني معكم من المتربصين ) أي : إنكم إن تربصتم في حوادث الدهر ، فإني منتظر مثل ذلك بكم . وتربص الكفار بالنبي ( ص ) والمؤمنين قبيح ، وتربص النبي ( ص ) والمؤمنين بالكفار ، وتوقعهم لهلاكهم حسن . وقوله : ( فتربصوا ) وإن كان بصيغة الأمر ، فالمراد به التهديد . ( أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) أي بل تأمرهم عقولهم بما يقولونه لك ، ويتربصونه بك . قال المفسرون : كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول ، فأزرى الله سبحانه بعقولهم ، حيث لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل . ثم أخبر سبحانه عن طغيانهم فقال : ( أم هم قوم طاغون ) وقرأ مجاهد : ( بل هم قوم طاغون ) . وبل في المعنى قريبة من أم هنا ، إلا أن ما بعد بل متيقن ، وما بعد أم مشكوك فيه . والمعنى : إن عقولهم لم تأمرهم بهذا ، ولم تدعهم إليه ، بل حملهم الطغيان على تكذيبك . ( أم يقولون تقوله ) أي افتعل القران وتكذبه من تلقاء نفسه . والتقول : تكلف القول ، ولا يقال ذلك إلا في الكذب . ( بل لا يؤمنون ) أي ليس الأمر كما زعموا ، بل ثبت أنه من عند الله ، ولكنهم لا يصدقون بذلك عنادا وحسدا واستكبارا .
--> ( 1 ) وفي المخطوطة : هذه هي المنقطعة . ( 2 ) وفي نسختين : علقمة بن عبدة . ( 3 ) وفيهما : بل أحملها . ( 4 ) قوله : ( لم يقض عبرته ) حال من الضمير في ( بكى ) الراجع إلى الكبير . وبكى : وصف لكبير . ( وإثر الأحبة ) متعلق ببكى . والبين : الفراق . ومشكوم : مأخوذ من الشكيمة وهي حديدة معترضة في فم الفرس أي : مسدود فوه .